من الإغلاق العظيم إلى عالم الأزمات المتتالية..دكتور محمد حسن يوسف

من الإغلاق العظيم إلى عالم الأزمات المتتالية: لماذا يمكن أن تكون 𝟮𝟬𝟮𝟬 نقطة بداية لتاريخ اقتصادي جديد؟
د. محمد حسن يوسف

قبل عام 2020 كان الاقتصاد العالمي يعيش، رغم أزماته ومشكلاته، في إطار يبدو مستقرًا نسبيًا. التجارة الدولية تتوسع، وسلاسل الإنتاج تمتد عبر الحدود بحثًا عن أقل تكلفة، ورؤوس الأموال تتحرك بحرية نسبيًا بين الأسواق، وأسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى عند مستويات منخفضة، وكانت العولمة تُقدم باعتبارها الطريق الطبيعي لزيادة الكفاءة والنمو. ثم جاء عام 2020 ليوقف هذا العالم فجأة. لم تكن جائحة كورونا مجرد أزمة صحية أدت إلى إغلاق مؤقت للمصانع والمطارات والمتاجر، وإنما كانت لحظة كشفت هشاشة عدد كبير من الافتراضات التي قام عليها الاقتصاد العالمي خلال العقود السابقة. وللمرة الأولى منذ عقود، وجد العالم نفسه أمام اقتصاد يتوقف بقرار صحي، وحكومات تغلق قطاعات كاملة من النشاط، وسلاسل إمداد عالمية تنقطع، وملايين العمال يبقون في منازلهم، ودول تضخ أموالًا هائلة لإنقاذ الشركات والأسر. ومن هنا يمكن النظر إلى 2020، ليس فقط باعتباره عام الجائحة، وإنما باعتباره نقطة بداية محتملة لمرحلة اقتصادية عالمية جديدة.

كانت الصدمة الأولى في 2020 مختلفة عن معظم الأزمات الاقتصادية السابقة. فالعالم لم يواجه انهيارًا في الطلب فقط، ولا مشكلة في الإنتاج فقط، وإنما واجه الاثنين معًا. توقفت مصانع وشركات ومطاعم وشركات طيران وخدمات، وفي الوقت نفسه فقد ملايين الأشخاص دخولهم أو أصبحوا غير قادرين على الإنفاق بالطريقة المعتادة. ولهذا اضطرت الحكومات والبنوك المركزية إلى التدخل على نطاق لم يكن من الممكن تصوره في الظروف العادية. برامج دعم ضخمة، وخفض لأسعار الفائدة، وضخ للسيولة، وضمانات ائتمانية، وإنفاق حكومي واسع. كان الهدف في البداية بسيطًا: منع الأزمة المؤقتة من التحول إلى كساد طويل. وبالفعل، نجح جزء كبير من هذا التدخل في منع انهيار اقتصادي عالمي بالحجم الذي كان يخشاه البعض في الأشهر الأولى من الجائحة. لكن هذا الإنقاذ نفسه ترك وراءه آثارًا ستظهر لاحقًا.
فعندما بدأت الاقتصادات في العودة إلى النشاط، اكتشف العالم أن إعادة تشغيل الطلب أسهل من إعادة تشغيل العرض. الأسر لديها مدخرات ودعم ودخل مؤجل، والرغبة في الاستهلاك تعود بسرعة، بينما المصانع وسلاسل الشحن والموانئ والعمالة لم تعد بالسرعة نفسها. ظهرت الاختناقات، وارتفعت تكاليف النقل والشحن، ونقصت بعض السلع ومكونات الإنتاج، ثم بدأت الأسعار في الارتفاع. وهكذا انتقل العالم خلال فترة قصيرة من الخوف من الانكماش والبطالة إلى الخوف من التضخم. وهذه كانت أول إشارة إلى أن العالم الذي سيخرج من كورونا لن يكون هو العالم الذي دخل إليها؛ فالسياسات التي كانت ضرورية لإنقاذ الاقتصاد في بداية الأزمة ساهمت، عندما التقت مع اختناقات العرض وعودة الطلب، في خلق بيئة تضخمية جديدة.
ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتكشف طبقة أخرى من التحول. فقد اتضح أن الاقتصاد العالمي لا يستطيع أن يتعامل مع الطاقة والغذاء والأسمدة والمعادن وسلاسل النقل باعتبارها مجرد سلع تتحرك وفق السعر والعرض والطلب. فقد أصبحت هذه العناصر مرتبطة بالأمن القومي والجغرافيا السياسية. وأدركت دول كثيرة أن الاعتماد على مصدر واحد رخيص وفعال قد يكون مكلفًا جدًا عندما يصبح هذا المصدر عرضة للحرب أو العقوبات أو القيود السياسية. ومن هنا بدأت كلمات لم تكن تحتل مركزًا متقدمًا في قاموس الاقتصاد قبل 2020 في الصعود بقوة: المرونة، أمن سلاسل الإمداد، تنويع مصادر الإنتاج، إعادة التوطين، الاستقلال الاستراتيجي، والأمن الاقتصادي. لم تختفِ العولمة، لكنها بدأت تتغير؛ فلم يعد السؤال فقط «من ينتج بتكلفة أقل؟»، بل أصبح أيضًا «من يمكن الاعتماد عليه عندما تحدث أزمة؟».
ثم جاءت مرحلة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة لتضيف تحولًا جديدًا. فالعالم الذي اعتاد لسنوات على الأموال الرخيصة والسيولة الوفيرة اكتشف أن هذه البيئة ليست دائمة. اضطرت البنوك المركزية الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، فارتفعت تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأسر، وأصبحت خدمة الديون أكثر عبئًا. ومع ارتفاع الفائدة، تغيرت أيضًا حركة رؤوس الأموال؛ فالمستثمر الذي كان يبحث عن عائد إضافي في الأسواق الناشئة أصبح قادرًا على الحصول على عائد أعلى في الاقتصادات الكبرى مع مخاطر أقل نسبيًا. وهكذا لم يعد التضخم مشكلة أسعار فقط، وإنما أصبح مرتبطًا بالديون والعملات والاستثمار وتدفقات رأس المال. وبالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة، أصبح ما يحدث في واشنطن أو فرانكفورت أو طوكيو أكثر تأثيرًا بصورة مباشرة في تكلفة التمويل والاستقرار النقدي.
وفي الوقت نفسه، بدأت علاقة الاقتصاد بالسياسة تتغير بصورة عميقة. قبل 2020 كان من السهل نسبيًا النظر إلى التجارة والاستثمار باعتبارهما مجالين اقتصاديين منفصلين إلى حد كبير عن الصراع الجيوسياسي. أما اليوم فأصبح من الصعب الفصل بينهما. التكنولوجيا المتقدمة والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والطاقة والمعادن النادرة والاستثمار الأجنبي أصبحت جميعها جزءًا من حسابات القوة بين الدول. وبدأت الحكومات تتدخل بدرجة أكبر لحماية قطاعات تعتبرها استراتيجية، حتى لو أدى ذلك أحيانًا إلى ارتفاع التكلفة الاقتصادية. لقد تغيرت الأولوية من الكفاءة المطلقة إلى مزيج أكثر تعقيدًا من الكفاءة والأمان والمرونة. وهذه ربما تكون واحدة من أكبر التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ نهاية الحرب الباردة.
ثم جاءت السنوات التالية لتكشف مشكلة أخرى لم تكن ظاهرة بالحجم نفسه في بداية الجائحة: تراكم الديون. فالحكومات التي أنفقت بسخاء لمنع الانهيار الاقتصادي خرجت من الأزمة بمستويات أعلى من الدين، ثم وجدت نفسها في مواجهة أسعار فائدة أعلى بكثير. وأصبحت تكلفة خدمة الدين نفسها عنصرًا متزايد الأهمية في الموازنات العامة. وفي الوقت نفسه، أصبحت الحكومات مطالبة بتمويل احتياجات جديدة: الدفاع، والطاقة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنية الأساسية، والرعاية الصحية. وهكذا أصبح العالم يعيش مفارقة جديدة: احتياجات الاستثمار تتزايد، بينما أصبحت تكلفة الحصول على الأموال أعلى. ومن هنا بدأ الصراع على المدخرات ورؤوس الأموال يأخذ أهمية متزايدة، وأصبحت قدرة الدولة على جذب التمويل والاحتفاظ به جزءًا من قدرتها على الصمود الاقتصادي.
ولذلك، إذا نظرنا إلى الفترة من 2020 إلى 2026 ككتلة واحدة، فسوف نجد أنها لم تكن سلسلة أزمات منفصلة تمامًا، وإنما سلسلة مترابطة من التحولات. كورونا كشفت هشاشة سلاسل الإمداد، واختلالات ما بعد الجائحة غذت التضخم، والتضخم أدى إلى رفع أسعار الفائدة، وارتفاع الفائدة كشف هشاشة الديون، والحرب أعادت تعريف الطاقة والتجارة والأمن الغذائي، والتوترات الجيوسياسية أعادت تشكيل الاستثمار والتكنولوجيا، وكل ذلك دفع الدول إلى إعادة التفكير في العولمة وحركة رؤوس الأموال. كل أزمة تركت وراءها آثارًا أصبحت جزءًا من البيئة التي ظهرت فيها الأزمة التالية. ولذلك ربما يكون التعبير الأدق عن السنوات الأخيرة هو أننا انتقلنا من اقتصاد الأزمات المنفردة إلى اقتصاد الأزمات المتتالية والمتراكمة.
وهذا التحول له معنى خاص بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة، ومن بينها مصر. ففي عالم أكثر تقلبًا، لا يكفي أن يكون الاقتصاد قادرًا على تحقيق معدلات نمو جيدة في الظروف الطبيعية؛ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما ترتفع أسعار الفائدة عالميًا؟ ماذا يحدث عندما تتراجع تدفقات رؤوس الأموال؟ ماذا يحدث عندما ترتفع أسعار الطاقة والغذاء؟ ماذا يحدث عندما تتغير حركة التجارة أو تتعطل سلاسل الإمداد؟ وماذا يحدث عندما تتنافس الاقتصادات الكبرى نفسها على المدخرات العالمية؟ هنا يصبح تنويع مصادر النقد الأجنبي، وتعميق الإنتاج المحلي، وزيادة المدخرات، وتطوير سوق رأس المال، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل شديدة الحساسية للتقلبات العالمية، ليس مجرد أهداف للتنمية الاقتصادية، وإنما جزءًا من استراتيجية للأمن الاقتصادي.
وقد يكون من المبكر القول إن العالم دخل بالفعل عصرًا اقتصاديًا جديدًا بالكامل، لكن من الصعب أيضًا تجاهل حجم التحول الذي حدث منذ 2020. فقد تغيرت نظرة العالم إلى دور الدولة، وإلى التضخم، وإلى الديون، وإلى سلاسل الإمداد، وإلى الطاقة، وإلى التجارة، وإلى التكنولوجيا، وإلى حركة رؤوس الأموال. والأهم أن الثقة القديمة بأن الكفاءة الاقتصادية وحدها قادرة على حماية النظام العالمي تعرضت لاختبار قاسٍ. اليوم أصبح الاقتصاد العالمي أكثر ارتباطًا بالجغرافيا السياسية، وأكثر اهتمامًا بالمرونة، وأكثر حساسية للصدمات، وأقل استعدادًا لافتراض أن المستقبل سيشبه الماضي.
ولهذا ربما نستطيع أن ننظر إلى 𝟮𝟬𝟮𝟬 باعتباره سنة فاصلة في التاريخ الاقتصادي الحديث. ليس لأن كورونا خلقت كل المشكلات التي يعيشها العالم اليوم، وإنما لأنها كانت اللحظة التي كشفت هشاشة النموذج السابق وبدأت معها سلسلة من التحولات التي لم تتوقف حتى الآن. قبل 2020 كان العالم يتحدث عن تعميق العولمة؛ وبعدها أصبح يتحدث عن إعادة تشكيلها. كان يتحدث عن كفاءة سلاسل الإمداد؛ وأصبح يتحدث عن أمنها. كان المال الرخيص يبدو أمرًا طبيعيًا؛ وأصبح العالم يتعامل مع تكلفة رأس المال باعتبارها قضية استراتيجية. وكانت الجغرافيا السياسية تبدو في كثير من الأحيان منفصلة عن الاقتصاد؛ أما اليوم فأصبح من الصعب الفصل بينهما. ولذلك فإن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام المؤرخين والاقتصاديين ليس فقط: ماذا فعلت كورونا بالاقتصاد العالمي؟ وإنما: هل كانت كورونا هي اللحظة التي بدأ عندها العالم الاقتصادي القديم في الانتهاء، وبدأ عالم اقتصادي جديد في التشكل؟

تعليقات