حين يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه..بقلم/أحمد عزيز الدين أحمد

في زمنٍ تتقارب فيه المسافات بين المدن، وتتسع فيه المسافات بين القلوب، أصبح الإنسان يعرف أخبار العالم كلّه، لكنه قد يعجز عن معرفة ما يحدث في داخله. نمضي كل يومٍ مسرعين؛ نطارد المواعيد، ونجيب عن الرسائل، ونبتسم أمام الآخرين، ثم نعود إلى غرفنا في نهاية النهار لنكتشف أن شيئًا ما في داخلنا لم يعد كما كان. ليست الغربة دائمًا أن تبتعد عن وطنك، فقد يكون الوطن قريبًا منك، والناس حولك، والأصوات تملأ المكان، ومع ذلك تشعر أنك تقف وحيدًا في آخر العالم. الغربة الحقيقية تبدأ حين تضطر إلى ارتداء وجهٍ لا يشبهك، حين تتحدث بما لا تؤمن به كي لا تخسر أحدًا، وتصمت عن أشياء تؤلمك لأنك تعبت من شرحها، وتضحك في الوقت الذي كان قلبك يحتاج فيه إلى أن يبكي. ومع ذلك، يبقى في الإنسان شيء لا يستطيع العالم كله أن يهزمه: قدرته على البدء من جديد. قد نخسر أشخاصًا أحببناهم، وقد تتبدل الطرق التي ظننا أنها ستقودنا إلى أحلامنا، وقد تغلق الحياة أبوابًا كثيرة في وجوهنا، لكن باب الروح يظل مفتوحًا ما دمنا نملك الشجاعة لنطرق عليه. ليس المطلوب أن تكون قويًا طوال الوقت؛ فالإنسان ليس حجرًا. له لحظات ضعف، وله أيام يتعب فيها من المقاومة، وله حق في أن يتوقف قليلًا، وأن يستعيد أنفاسه، ثم يواصل الطريق. ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله المرء في هذه الحياة أن يعود إلى نفسه. أن يسألها: ماذا أريد حقًا؟ ما الذي يجعلني سعيدًا؟ من الذين أحبهم بصدق؟ وأيُّ أثرٍ أريد أن أتركه حين أغادر هذا العالم؟ فالحياة ليست عدد السنوات التي نعيشها، وإنما مقدار الحياة التي نضعها في تلك السنوات. قد لا نستطيع تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نترك في حياة إنسانٍ واحد كلمةً طيبة، أو موقفًا نبيلًا، أو يدًا امتدت إليه حين احتاجها. وربما لا يتذكر الناس أسماءنا بعد سنوات، لكنهم قد يتذكرون أننا مررنا ذات يومٍ في حياتهم، فخففنا عنهم ثقلًا، أو منحناهم أملًا، أو جعلنا يومهم أقل قسوة. لهذا، لا تجعل ضجيج العالم يُنسيك صوتك الداخلي. احتفظ بإنسانيتك، حتى عندما يقسو الآخرون. احتفظ بقلبك، حتى عندما تؤلمك الحياة. واحتفظ بحلمك، حتى لو تأخر الوصول. ففي نهاية الطريق، لا يبقى معنا كثيرٌ مما جمعناه، ولا كثيرٌ مما قاله الناس عنا؛ يبقى فقط ما منحناه للآخرين، وما صنعناه في أرواحهم، وما تركناه خلفنا من نور. وربما تكون أجمل رحلة يمكن للإنسان أن يقوم بها ليست رحلة البحث عن مكانٍ جديد، وإنما رحلة العودة إلى ذاته. هناك، حيث لا أقنعة، ولا ضجيج، ولا حاجة إلى إثبات شيء لأحد... هناك فقط، يبدأ الإنسان في معرفة من يكون.

بقلم / احمد عزيز الدين احمد كاتب وروائي وشاعر

تعليقات