كيف نخرج من نظام التفاهة؟..بقلم/الدكتور محمد حسن يوسف

بعد أن يفكك آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة" الآليات التي جعلت التفاهة تتحول من ظاهرة اجتماعية إلى منظومة متكاملة لإدارة المؤسسات والدول، يطرح سؤالاً يبدو أكثر أهمية من كل ما سبقه: هل يمكن الخروج من هذا النظام؟

لا يقدم دونو وصفة جاهزة، ولا يعد القارئ بحلول سريعة، لأنه يرى أن المشكلة ليست في أشخاص يمكن استبدالهم، بل في منطق كامل أصبح يحكم السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة. ولذلك فإن مواجهة نظام التفاهة لا تبدأ بتغيير الوجوه، بل بتغيير طريقة التفكير نفسها.
يرى دونو أن أول خطوة في هذا الطريق هي إحداث قطيعة مع منطق النظام. فالإصلاحات الجزئية، مهما بدت جذابة، كثيرًا ما يعيد النظام امتصاصها وتحويلها إلى أدوات جديدة تعزز استمراره. ولهذا فإن المطلوب ليس تجميل الواقع، بل مراجعة الأسس التي يقوم عليها، ورفض التسليم بأن ما هو قائم يمثل النهاية الطبيعية للتطور الإنساني.
ومن أهم ميادين هذه المواجهة استعادة اللغة. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي الأداة التي نفكر بها ونفهم بها العالم. وعندما تُستبدل الكلمات الواضحة بمصطلحات تقنية فضفاضة مثل "الحوكمة"، و"المرونة"، و"إعادة الهيكلة"، يصبح الواقع نفسه أقل وضوحًا، ويغدو الاعتراض أكثر صعوبة. ولهذا فإن المقاومة تبدأ أيضًا باستعادة القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، دون مواربة أو تجميل.
كما يدعو دونو إلى إحياء دور المثقف في مواجهة هيمنة "الخبير". فالخبير ضروري بطبيعة الحال، لكنه يجيب غالبًا عن سؤال: كيف ننفذ؟ أما المثقف فيظل يسأل: لماذا نفعل ذلك أصلًا؟ وعندما يغيب هذا السؤال، تتحول المعرفة إلى خدمة تقنية، ويفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية.
ولا يكتمل هذا المسار دون رفض "لعب اللعبة". فاستمرار نظام التفاهة يعتمد على قبول الناس بقواعده غير المكتوبة: أي قواعد المجاملة، والامتثال، والصعود بأي ثمن. ومن هنا تصبح المحافظة على النزاهة الفكرية، والتمسك بالكفاءة الحقيقية، ورفض المداهنة، أشكالًا من المقاومة اليومية، حتى وإن لم تحقق مكاسب سريعة.
ويرى دونو كذلك أن استعادة المجتمع تبدأ بإعادة الاعتبار للشأن العام والعمل الجماعي. فالمواطن ليس مجرد مستهلك أو مستخدم لخدمات، بل شريك في صناعة المستقبل. ولذلك لا يمكن مواجهة التفاهة من خلال جهود فردية معزولة فقط، وإنما عبر بناء مساحات مستقلة للنقاش الحر، والعمل المدني، والثقافة، بعيدًا عن منطق السوق والربحية.
وفي السياق نفسه، يمنح دونو مكانة خاصة للفن الحقيقي والعلم المستقل؛ فهما يمثلان، في نظره، آخر المساحات التي تستطيع الدفاع عن الحقيقة والجمال، بعيدًا عن الحسابات التجارية والمؤشرات الرقمية. وكل نشاط إنساني يسعى إلى المعرفة أو الإبداع لذاته، لا باعتباره سلعة، هو في حد ذاته فعل مقاومة لنظام التفاهة.
لكن ربما تكون الرسالة الأهم التي يتركها لنا دونو هي أن مقاومة التفاهة ليست مشروعًا سياسيًا فحسب، بل هي اختيار شخصي يتكرر كل يوم. ففي كل مرة نختار فيها الحقيقة بدل المجاملة، والمعنى بدل المظهر، والكفاءة بدل العلاقات، والاستقلال الفكري بدل الامتثال، نكون قد خطونا خطوة صغيرة خارج هذا النظام، حتى وإن بقي العالم من حولنا كما هو.
إن معركة الخروج من نظام التفاهة ليست معركة ضد أشخاص، بل ضد طريقة في التفكير أصبحت تبدو طبيعية لأنها تكررت طويلًا. ولهذا فإن البداية الحقيقية ليست في تغيير العالم دفعة واحدة، وإنما في استعادة الإنسان لقدرته على التفكير الحر، وعلى مساءلة المسلمات، وعلى الإيمان بأن القيم ليست عبئًا على الإدارة، بل شرطًا لبقاء أي مجتمع حي.

هذا المقال هو خاتمة سلسلة "تفكيك نظام التفاهة"، وهي محاولة لقراءة أفكار الفيلسوف الكندي آلان دونو وربطها بواقعنا العربي، أملاً في فهم أعمق لآليات السلطة والإدارة والإعلام والثقافة، واستعادة المعنى في زمن أصبحت فيه التفاهة نظامًا لا مجرد ظاهرة.

تعليقات