هل تغيرت الثقافة في مصر ... أم تغيرنا نحن؟
(1) من سلسلة: الثقافة في مصر ... إلى أين؟
عندما نردد أن الثقافة في مصر تراجعت، فإننا غالبًا نفعل ذلك بثقة وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش. نستحضر أسماء العمالقة، ونقارنها بما نراه اليوم، ثم ننتهي إلى حكم سريع بأن الزمن الجميل قد انتهى. لكن هل المشكلة حقًا في الثقافة؟ أم أن الثقافة، كما كانت دائمًا، ليست سوى مرآة تعكس ما يحدث للمجتمع؟
هذا السؤال أعاد إلى ذهني كتاب الدكتور جلال أمين "ماذا حدث للثقافة في مصر؟". فعلى الرغم من مرور سنوات على صدوره، فإن كثيرًا من الأسئلة التي طرحها لا تزال حاضرة، بل ربما أصبحت أكثر إلحاحًا. غير أن أهمية الكتاب لا تكمن في أنه يقدم إجابات نهائية، وإنما في أنه يدفعنا إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الثقافة والمجتمع، وبين الإنسان والقيم التي تحكم حياته.
يرى جلال أمين أن الثقافة المصرية لم تتراجع فجأة، ولم يكن ذلك نتيجة سبب واحد، بل جاءت نتيجة تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة غيّرت منظومة القيم التي تحكم المجتمع. فحين تتغير القيم، تتغير معها اللغة، والتعليم، والإعلام، والفنون، وحتى طريقة الناس في النظر إلى النجاح والفشل.
ولعل هذه هي الفكرة الأكثر أهمية في الكتاب. فالثقافة ليست رفاهية تعيش في المسارح ودور النشر والجامعات، وإنما هي أسلوب مجتمع كامل في التفكير، وما يعتبره جديرًا بالاحترام أو بالسخرية، وما يكافئه أو يعاقب عليه. فإذا أصبح الثراء السريع أكثر جاذبية من الاجتهاد، والشهرة أكثر قيمة من المعرفة، والانتشار أهم من الجودة، فمن الطبيعي أن تنعكس هذه الأولويات على كل ما ننتجه من تعليم وإعلام وأدب وفنون.
لكن هل يكفي هذا التفسير لفهم ما جرى؟
أظن أن الإجابة هي: لا.
فالعالم الذي كتب عنه جلال أمين لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم. لقد دخلت التكنولوجيا إلى كل بيت، وأصبحت الهواتف الذكية منصات إعلام ونشر وتعليم في آن واحد، وتغيرت طريقة إنتاج المعرفة واستهلاكها بصورة لم يكن أحد يتخيلها قبل عقود. ولذلك فإن مقارنة حاضرنا بماضينا دون النظر إلى هذه التحولات قد تقود إلى استنتاجات غير دقيقة.
كما أن اختزال المشهد الثقافي في فكرة "التراجع" وحدها قد يحجب عنا جوانب أخرى تستحق التأمل. فاليوم أصبح بإمكان أي شاب أن يصل إلى ملايين المتابعين دون أن يمر عبر صحيفة أو دار نشر أو قناة تلفزيونية. وهذه ليست بالضرورة ظاهرة سلبية، لكنها تفرض سؤالًا جديدًا: هل اتسعت دائرة الثقافة، أم اتسعت دائرة الضجيج؟
وربما كان التحدي الحقيقي هو أننا أصبحنا نخلط بين كثرة المحتوى وثراء الثقافة. فما يُنتج كل يوم من مقاطع وصور ومنشورات يفوق ما كان يُنتج في سنوات كاملة، لكن الوفرة لا تعني دائمًا العمق، كما أن سرعة الوصول إلى المعلومة لا تعني بالضرورة تكوين المعرفة. فالفرق كبير بين مجتمع يستهلك المعلومات، ومجتمع يبني الوعي.
ولذلك فإن الحديث عن الثقافة لا ينبغي أن يتحول إلى حنين دائم إلى الماضي، ولا إلى إدانة مستمرة للحاضر. فلكل عصر أدواته وتحدياته، ولكل جيل لغته ووسائله. والسؤال الحقيقي ليس: هل كانت الثقافة أفضل؟ بل: هل ما زلنا ننتج ثقافة تساعد الإنسان على التفكير، أم أصبحنا ننتج محتوى يستهلك انتباهه ثم يختفي دون أثر؟
ربما لا يكون من الإنصاف أن نقيس حاضرنا بمقاييس الأمس، لكن من الخطأ أيضًا أن نستسلم لفكرة أن كل تغيير هو تقدم. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تنتجه من سلع أو بما تحققه من أرقام، وإنما بما تنتجه من إنسان قادر على الفهم، والحوار، والتمييز بين القيمة والضجيج.
لهذا أرى أن السؤال الذي طرحه جلال أمين لا يزال يستحق أن يُطرح، لكن بصيغة مختلفة قليلًا. فبدلًا من أن نسأل: ماذا حدث للثقافة في مصر؟ ربما يكون السؤال الأهم اليوم: ماذا حدث للإنسان المصري حتى تغيرت ثقافته بهذا الشكل؟ فالثقافة ليست كائنًا يعيش بعيدًا عن الناس، وإنما هي صورة المجتمع وهو ينظر إلى نفسه.
وفي تقديري، فإن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون مدخلًا لفهم الثقافة وحدها، بل لفهم كثير من التحولات التي نعيشها اليوم، من التعليم والإعلام إلى الاقتصاد والسياسة. وهذا ما سنحاول الاقتراب منه في المقالات القادمة.
في المقال القادم: إذا كانت الثقافة انعكاسًا للمجتمع، فهل كان التعليم سببًا في هذا التحول، أم أنه كان أحد ضحاياه؟
