الأرض تحت قبة الغليان،هل دخلنا عصر التدخل الجراحي في المناخ؟..بقلم الدكتور/ محمد حسن يوسف

كان الملحن الأمريكي كول بورتر مصيباً تماماً في أغنيته الشهيرة حين اختزل المعاناة في كلمتين: "الأجواء لاهبة حقاً". لم يعد هذا التعبير مجرد مجاز شعري، بل أضحى واقعاً تعيشه البشرية اليوم تحت وطأة صيف خانق حطم الأرقام القياسية لدرجات حرارة المحيطات واليابسة على حد سواء. وفي منطقتنا العربية، التي تقع تاريخياً وجغرافياً في صدارة خطوط المواجهة مع التطرف المناخي، لم تعد "القبة الحرارية" مصطلحاً علمياً نتابع أخبار أضراره في كبرى العواصم الصناعية فحسب، بل تحولت إلى زائر ثقيل ودائم يهدد الأنظمة البيئية، والأمن المائي، ومستقبل الاستقرار الاقتصادي من الخليج إلى المحيط.

هذه القفزات غير المسبوقة في درجات الحرارة دفعت الأوساط العلمية، كما نقلت مجلة The Economist في تحليلها الأخير، إلى التخلي عن لغة التحذير التقليدية والالتفات صوب ظاهرة أكثر رعباً تُعرف بـ "انخفاض بياض الأرض" أو قدرتها الانعكاسية. فالكوكب الذي يفقد مساحاته الجليدية البيضاء وسحبه البحرية المبردة بفعل الاحتباس الحراري، يتحول بالتدريج إلى سطح داكن يمتص أشعة الشمس بدلاً من عكسها إلى الفضاء. هذا التحول يعني باختصار أن التغير المناخي بدأ يغذي نفسه ذاتياً؛ فالأرض أصبحت تحبس الحرارة بداخلها مدفوعة بآليات طبيعية خرجت عن السيطرة البشرية، مما يفسر لماذا تبدو موجات الجفاف الحالية في أراضينا العربية أكثر قسوة وطولاً من أي وقت مضى.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو تلك "المفارقة الكبريتية" التي وضعنا العلم أمامها مؤخراً؛ إذ تبين أن الجهود الدولية الناجحة في تنظيف وقود السفن وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت لحماية صحة البشر، قد أزالت دون قصد "مظلة واقية" من الجزيئات العاكسة لضوء الشمس، مما سرّع من غليان المحيطات بشكل مفاجئ. يضعنا هذا التناقض الصارخ أمام حقيقة مريرة: إن الحلول البيئية الجزئية قد تفتح أبواباً لكوارث أشد عمقاً. وفي ظل هذا التسارع المعرفي والمناخي، تهاوت جاذبية شعار "الصافي الصفري" الذي تبنته الدول قبل عقد من الزمان كإستراتيجية طويلة الأمد؛ فالواقع الجيوسياسي المشحون بالصراعات الحمائية والتنافس الاقتصادي أثبت أن فكرة التعاون الدولي المثالي لتحقيق هذا الهدف ليست سوى وهم يتبدد أمام لغة المصالح الفردية للدول الصناعية الكبرى.
لكن الأزمة لم تعد علمية فحسب، بل أصبحت أزمة إدارة وحوكمة عالمية. فالهندسة المناخية ليست مجرد تقنية جديدة، بل قرار سيادي قد يغيّر موازين الطبيعة على مستوى الكوكب. من يملك حق تشغيل هذه التقنيات؟ ومن يحدد توقيت استخدامها؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا استفادت منطقة بينما تعرضت أخرى للجفاف أو الفيضانات؟ إن العالم يواجه اليوم فراغاً مؤسسياً واضحاً؛ فبينما تتطور أدوات التدخل في المناخ بوتيرة متسارعة، ما تزال قواعد الحوكمة الدولية عاجزة عن مواكبة هذا التحول، مما يفتح الباب أمام قرارات أحادية قد تعيد تشكيل المناخ العالمي دون توافق دولي حقيقي.
وأمام هذا البطء السياسي والاندفاع المناخي، يجد العالم العربي نفسه بين مطرقة الحاجة الفورية للتكيف، وسندان الحلول الدولية القاصرة، مما يفرض توجهاً حتمياً نحو خيارات أكثر راديكالية وجرأة. لم يعد خفض الانبعاثات وحده قادراً على كبح جماح الحرارة المتراكمة عبر قرن ونصف من الثورة الصناعية، وبات الحديث يتركز الآن على "الهندسة المناخية" كخيار جراحي أخير، يتضمن تقنيات مثل تبييض السحب أو حقن رذاذ مبرد في الغلاف الجوي لإعادة ضبط انعكاسية الأرض عمداً.
ومن منظور الإدارة الإستراتيجية، فإن أخطر ما في هذه التقنيات ليس احتمال فشلها، بل غياب منظومة متكاملة لإدارة مخاطرها. فكل مشروع ضخم يخضع عادة لتحليل السيناريوهات، وخطط الطوارئ، وآليات المساءلة والرقابة، بينما قد يجد العالم نفسه أمام تدخل يؤثر في النظام المناخي للكوكب كله، دون وجود مؤسسة دولية تمتلك صلاحية إيقافه أو محاسبة من أطلقه إذا جاءت نتائجه عكسية. وهنا لا تصبح المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في قدرة المؤسسات على إدارة تبعاتها.
إن السؤال لم يعد: هل يستطيع الإنسان تعديل المناخ؟ فالإجابة العملية تشير إلى أنه بدأ يفعل ذلك بالفعل، سواء بقصد أو بغير قصد. وإنما السؤال الحقيقي هو: هل تمتلك البشرية مؤسسات قادرة على إدارة هذه القوة الجديدة بحكمة؟ فالتاريخ يعلمنا أن التكنولوجيا تتقدم دائماً أسرع من الحوكمة، وأن الأزمات الكبرى لا يصنعها العلم وحده، بل سوء إدارة العلم. وربما تكون المعركة القادمة أقل ارتباطاً بارتفاع درجات الحرارة، وأكثر ارتباطاً بقدرة الإنسان على إدارة كوكب أصبح لأول مرة مشروعاً مفتوحاً للتدخل الهندسي.
تعليقات