تشهد الساحة الثقافية اليوم تناسلاً عشوائياً مربكاً في النصوص الأدبية والفكرية والثقافية التي تتزايد يومياً بشكلٍ حوّل الفضاء الرقمي إلى غابة كثيفة تملأ الأفق دون أن تحدث تأثيراً فعلياً في الذهنيات، فالعصر الرقمي الذي أفسح المجال لظهور جحافل من الأدباء والكتاب والإعلاميين والمفكرين الحقيقيين منهم والمزيفين قد أجهز على القارئ نفسه ليحل محله عابر العناوين الذي يمضي وجوده في المواقع في عبور سطحي على عشرات وربما مئات النصوص التي تصادفه يومياً.
إننا نقف أمام مفارقة مذهلة؛ فبينما كان الجاحظ يرى في الكتاب جليساً لا يُمل، أصبح النص الرقمي مجرد عرض روتيني مزهود فيه، حيث تتحول الأنامل التي تداعب اللوحات الزجاجية صعوداً ونزولاً إلى مقصلة تحكم على الإبداع الحقيقي بالإعدام في أجزاء من الثانية، وذلك حينما توزع الردود المبتذلة المقتضبة التي لا تخرج عن نطاق المجاملات على ما جاد وما فسد من النصوص والأفكار.
وهذه الفيوضات الفكرية جعلت من القراءة فعلاً مسحياً سطحياً، يفتقر إلى شرط التمعن الذي كان يعتبره الفلاسفة والمفكرون جسراً نحو الحقيقة، فالفكر الحقيقي يحتاج إلى زمن البطء لكي ينمو، بينما تفرض علينا ثقافة الصوت والصورة نمطاً متسارعاً عابراً من التلقي، لقد تحول إنسان العصر إلى كائن مدمن على المثيرات البصرية القصيرة، مما تسبب في غياب القارئ الحقيقي.
إن القراءة التقليدية سواء كانت ورقية أو رقمية هي نشاط ذهني خطي يفسح المجال الواسع للعقل ليمارس رياضة التفكير والتمعن والربط والتحليل والمناقشة لتثمر في النهاية رأياً صادقاً ونقداً بنّاءً، على خلاف التلقي السمعي البصري الذي يكون حزمياً أي أن المعلومة تأتي جاهزة بالصورة والصوت تحمل فكرة معينة، ثم تنتقل مباشرة إلى معلومة غيرها مختلفة تماماً، وهكذا تتبرمج العقول على هذا الاستهلاك الذهني المشتت والتنقل الشعوري بين مختلف الحالات؛ مقطع جاد ثم مقطع هزلي ثم مشهد مؤثر ثم خطاب سياسي ثم أغنية عاطفية ثم مقطع مرعب ثم مقطع للطبخ وآخر للطبيعة والاستجمام، وهكذا يعيش إنسان العصر مشتتاً مرتحلاً بين زخم من الأفكار والمعلومات، وهذا الفعل بالتكرار يصبح حالة إدمان تجعل انتقاله إلى حالة التركيز والتلقي الخطي القائم على التأني والصبر والتركيز أمراً من الصعوبة بمكان.
إننا أمام نوع من الأمية الجديدة التي يمتلك فيها الفرد فائضاً مما يستحق القراءة وفي جميع الظروف حتى وهو مستلقٍ في فراشه لكنه لا يدخل بيوت المعرفة، بل يكتفي بالوقوف على عتباتها. إننا نسير نحو مستقبل يمتلك كل الإجابات السريعة، لكنه وللأسف يفتقر إلى أدنى القدرة على طرح سؤال عميق واحد.
والسؤال المطروح: كيف يمكننا استعادة القارئ الحقيقي وهيبة القراءة وقبل ذلك هيبة النص؟
فهل يجب الحد من ديمقراطية النشر؟ أم الاعتماد على أرستقراطية التلقي؟
بما أننا في عصر الوسائط الرقمية فلا حل يكمن خارج هذا الواقع، ولا يمكن أن يفكر عاقل في سحب الزمن من تلابيبه وإعادته إلى الخلف بمقاطعة التقنية الرقمية. فلا يمكننا تبرئة العقول بالكامل ولا إدانة الرقمية وحدها؛ لأن العلاقة بينهما هي علاقة التاجر بالزبون (عرض وطلب)؛ الوسيط الرقمي ليس مجرد وسيلة حيادية، بل هو مهندس لإدراكنا، يعرض محتوياته، وهنا يأتي دور الوعي؛ هو من يحدد ثقافة الاستهلاك الصحي، فكلما زاد وعي الإنسان كلما استطاع السيطرة على كيمياء الدوبامين التي تفرزها المقاطع السريعة المثيرة بعناوينها الجاذبة ومحتوياتها الممتعة السهلة التي يحتاج الإنسان في تلقيها إلى بصره وسمعه ومشاعره والقليل من المجهود الذهني لإدراك معناها.
وليس عيباً في خضم هذه الفوضى أن نبحث عن مقترحات وحلول للمشكلة ولو على سبيل الحلم الاستشرافي أو الاستشراف الحالم، لذلك أرى أن الحديث عن صناعة الوعي هو تحدٍ جوهري يحتاج ثورة مجتمع برمته، وتنشئة الأجيال على امتلاك وعي وقوة "فرملة" الرغبات ومنها رغبة الاستهلاك المفرط لهذه المقاطع السريعة المتنوعة، لكن المشروع المقترح الذي يمكن أن يتحقق عملياً وبشكل سريع يقوم على ثلاثة مقترحات:
أولها: النص العميق المركز بدلاً من النصوص الطويلة مراعاة لواقع الحال، مع تدعيمه بروابط للشرح والتحليل والنقد في الصفحة ذاتها، وذلك بهدف تحويل العبور إلى غوص اختياري عن وعي، يُحترم فيه ظروف القارئ ووقته دون التضحية بالإثراء المعرفي.
أما الثاني: فيُقترح فيه إخراج النصوص من صفة "المنشور" إلى صفة "الورشة" وذلك بإلغاء خانة التعليقات التقليدية التي لا تنتج سوى المديح أو الشتم، واستبدالها بخانة الإضافة النقدية، ولا يُسمح للقارئ بالتعليق إلا إذا قام بتلخيص النص مما يجبره على التوقف والقراءة المتأنية والتحليل قبل التفاعل السريع.
وآخر مقترح: يذهب إلى استثمار تقنية الصوت والصورة بإرفاق النص المكتوب بمقطع صوتي صوري يلخص مضمونه بأسلوب أسهل وأقرب إلى روح ومستوى القارئ المستهدف.
وأخيراً تبقى هذه المقترحات كما قلت مجرد حلم يعكس نية صادقة في محاولة حصار القارئ ومصالحته مع فعل القراءة المتأنية الواعية.
