نجية الشياظمي تكتب: من يعيدها لنا ؟

كم أشتاق إلى ذلك اليوم الذي كنت أمشي فيه إلى المدرسة بضفيرتين ، حاملة محفظتي الجلدية ذات الرائحة المميزة و التي كانت تحيي خلايا دماغي و معها ذكرياتي ، أشتاق أن أعود طفلة بلا مسؤوليات أجلس على طاولتي في القسم أكتب ما على السبورة ، أنصت بشدة لما يقوله المدرس ، ثم أستعد للامتحان و كلي ثقة بأنه سيكون سهلا كما كل مرة .
أشتاق الى كل هذا و اكثر . أحتاج معجزة تعيدني لذلك الزمن الجميل ، تعيدني للبراءة و البساطة ، لشاشة بلا ألوان ، الأسود و الأبيض فقط ، كنا نرى من خلالهما أجمل المعاني و الحكايات . كانت رسائلنا تملأ حقيبة ساعي البريد .
و ننتظرها أسابيع و أسابيع دون ضجر و لا ملل . أما أقلامنا فكانت تكتب من حبر سائل في دوايات ، تجف فنملأها من جديد ، و كانت أفكارنا و عزائمنا تتجدد مثلها تماما . و كان المدرس بعصاه الخشبية و معطفه الأبيض ذو هبة و اعتبار منقطع النظير . لا أحد من هذا الجيل يعلم شيئا عما أتحدث عنه ، أعلم هذا جيدا !
ماذا لو روينا لأبنائنا و أحفادنا قصص الماضي و تاريخه لعلنا نستطيع ربط الماضي بالحاضر ، و لعلهم يأخذون من بركته حتى لو النزر القليل ، مثلما أخذنا نحن من جداتنا ، حينما كنا ننصت بكل اهتمام لكل كلمة منهن يحكينها لنا تحت ضوء القمر في الصيف و ضوء الشموع في الشتاء . 
زمن ولى و راح لكنه لا يزال يسكننا بكل تفاصيله . زمن بنكهات و عطور من الزمن الغابر كما في الأساطير . زمن رحل لكنه يراقبنا عن كثب ، فمن يدري لعلنا نتصالح معه فيعود ليملأ أيامنا خيرا و بركة و صحة و سلاما . زمن بعطور انقرضت ، لكنها حبنما كانت تملأ البيت كنا نعلم أن الجدة قد حلت لزيارتنا . زمن كان فيه الدم دما يؤلف بين الأهل  و لا يفرقهم ، كانت فيه اللقمة البسيطة تشبع البطون و العقول . كانت فيه النوايا صافية و القلوب أيضا . زمن ليس له مثيل ، لم نكن نعيش في المدينة الفاضلة ، لكننا كنا سعداء مبتهجين بالقليل . أما الآن فكل شيء متوفر لكن لا شيء يملا العقل و لا شيء بسعد القلب . انه زمن تراجع فيه كل شيء جميل .
نحتاج معجزة حقة تعيد لنا تلك الأيام ، نحتاجها و بشدة .

تعليقات