التراث ووهم الملكية القُطْرية..بقلم الأستاذة/آمنة تباني

قبل أيام قليلة تناقلت وسائل الإعلام خبر الجدل القائم بين تركيا وأذربيجان حول حلوى " البقلاوة " حيث ترى كل دولة منهما أن هذه الحلوى اللذيذة الذائعة الصيت لدى جميع شعوب المعمورة جزءا من تراثها الوطني وقد ذكرني هذا الجدل بجدل مشابه بين فرنسا وبلجيكا حول أصل البطاطا المقلية ! والجدل المعاصر بين العديد من الشعوب العربية لاسيما المتجاورة حول الكثير من العناصر التراثية المادية واللامادية في الواقع أرى أن فكرة تجنيس التراث ضرب من شاق التكليف إن لم نقل زيفا مفتعلا مغرضا أو باطلا يرتدي ثوب العدالة ولعل الكثير من الأدلة والحقائق المعروفة يمكن ان تكشف عوار فكرة تجنيس التراث.
من المعروف أن الإنسان منذ تجمعاته الاولى وبداية الاستقرار وممارسة نشاطه الزراعي وبناء حضارته الأولى بالرغم من ذلك لم يقنع بحياة متقوقعة بل ظل مأخوذا بفكرة الترحال واكتشاف العالم حاملا معه كل ما توصل اليه من اكتشافات ومعارف ومهارات إلى كل مكان يحل به و القراءة الواعية للتاريخ تكشف ان العناصر التراثية المتعارك عليها اليوم هي في اصلها نتاج شعوب عاشت ضمن امبراطوريات شاسعة وطرق تجارية ممتدة شهدت ذوبانا للحدود وحركة دائمة للانسان. فالامبراطورية العثمانية على سبيل المثال بحكم امتدادها في القارات الثلاث شكلت بوتقة كبرى انصهرت فيها المطابخ والأزياء والموسيقى من البلقان والأناضول وشبه جزيرة العرب وشمال افريقيا.
والبقلاوة التي تتنازعها اليوم أذربيجان وتركيا او اطراف اخرى هي في اصلها فكرة بسيطة يمكن ان يهتدي إليها اي انسان في أي مكان من الأرض وبأبسط الوسائل المتاحة، والدليل أن بعض الدراسات تعزوها إلى الاشوريين الذين اشتهروا بحشو رقائق العجين بالفواكه الجافة وخبزها ثم سقيها بعسل النحل! أليست هذه الفكرة بسيطة!؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يجزم أنها كانت حكرا على الاشوريين فقط في ذلك العصر ؟ أو أنها لم تخطر على بال انسان قط خارج نطاق الحضارة الاشورية!؟
وبالمثل، فان الخلاف التاريخي بين فرنسا وبلجيكا حول البطاطا المقلية ينفي حقيقة ان هذا النوع من الخضروات جاء اساسا من جبال الأنديز في امريكا الجنوبية، ليعيد الأوروبيون طريقة طهيها وتداولها عبر انهار وموانئ شمال أوروبا في قرون تغيرت فيها الحدود السياسية عدة مرات بين البلدين.
وفي نطاق المغرب العربي، الذي يعرف جدلا محتدما حول العديد من العناصر التراثية وصل إلى أروقة اليونيسكو، وخاض فيه أهل السياسة والنخب والخاص والعام يمتد القفطان والكسكسي على سبيل الاستدلال عبر جغرافيا ثقافية وثيقة الصلة بحركة قبائل الأمازيغ والفتوحات الإسلامية وهجرة الأندلسيين بعد العصر الوسيط، حيث أثرت كل مرحلة في تفاصيل الخياطة والطهي وتشكيل الذوق العام، مما يجعل نسبة هذه المظاهر لكيان وطني محدد صادر عن رسم حدود الاستعمار الحديث تجنيا على التاريخ الشفهي والمادي للقطر بأكمله.
إن هجرة التراث وتغير الخرائط الجيوسياسية يستوجبان إعادة النظر في مفاهيم الملكية الثقافية لأن العنصر التراثي كما يمكن أن يولد وينتشر في بيئة معينة ثم يهاجر مع التجار، والجيوش، واللاجئين، ويتكيف مع بيئته الجديدة ليولد نسخته الخاصة دون ان يفقد ارتباطه بالأصل، يمكن أيضا أن يولد في اكثر من بقعة بفعل توارد أفكار الإنسان ولننظر مثلا إلى شكل البنايات لدى بعض الحضارات القديمة اليس هناك شبه كبير بين بعض التفاصيل لدى عمران شعب المايا في وسط القارة الامريكية منها البناءات الهرمية وعمران المصريين القدامى المشهورين أيضا بأهرامهم ؟ ولننتقل إلى مجال العلوم الاكثر دقة وتحديدا إلى العصر الحديث ألم يتوصل كلا من العالمين الروسي ديمتري مندلييف والألماني يوليوس لوثر ماير إلى وضع الجدول الدوري لتصنيف العناصر بناء على الكتل الذرية بشكل مستقل ومتقارب جدا في عام واحد بل يقال في ليلة واحدة وسجل باسمهما معا مع تسبيق اسم العالم الذي بادر أولا بالاعلان عن ابتكاره !؟ لذلك يبقى الأصل في التراث الانساني بتاريخه التراكمي الطويل ومنابعه الثقافية المتنوعة أكبر من محاولات تضييق انتمائه وتجنيسه وفق تحديد جغرافي سياسي عارض في بانوراما التاريخ.

تعليقات