لم تكن اللغة يومًا مجرد وسيلة للتواصل، بل كانت دائمًا أداة لفهم الواقع، وأحيانًا وسيلة لإعادة تشكيله. ومن هنا يلفت الفيلسوف الكندي آلان دونو ، في كتابه "نظام التفاهة" ، الانتباه إلى ما يسميه "اللغة الخشبية". وهي ليست مجرد لغة رسمية متكلفة، بل خطاب يصنع غلالة كثيفة من الكلمات اللامعة التي تخفي الواقع أكثر مما تكشفه، وتُفرغ القضايا الكبرى من مضمونها، وتحولها إلى مصطلحات تقنية باردة يسهل إدارتها دون أن تثير الأسئلة أو تحرك الضمير.
تعمل هذه اللغة من خلال استبدال المفاهيم الأصيلة بمفاهيم تبدو أكثر حيادًا، لكنها أقل قدرة على كشف الحقيقة. فبدلاً من الحديث عن السياسة يصبح الحديث عن الحوكمة ، وبدلاً من الصراع الاجتماعي نتحدث عن الشراكة المجتمعية، وبدلاً من الفقر يصبح التعبير الشائع هو تحديات التنمية، وبدلاً من تسريح العمال يقال إعادة هيكلة الموارد البشرية، وبدلاً من زيادة الأسعار نتحدث عن إعادة توجيه الدعم.
قد تبدو هذه المصطلحات أكثر رقيًا، لكنها في كثير من الأحيان تُضعف قدرة المجتمع على رؤية المشكلة وتسميتها باسمها الحقيقي.
وهنا تكمن أخطر نتائج اللغة الخشبية؛ إذ يصبح من الصعب على الناس أن يعبروا عن معاناتهم إلا بالمفردات التي صاغها الطرف الأقوى. وعندما يفقد المجتمع كلماته، يفقد تدريجيًا قدرته على الاحتجاج، وعلى طرح الأسئلة، وحتى على تخيل بدائل مختلفة.
وفي هذا المناخ يبرز ما يسميه دونو "الخبير التكنوقراطي". والمشكلة هنا ليست في الخبرة ذاتها، بل في استخدام اللغة التقنية لإغلاق باب النقاش، بحيث تبدو القرارات السياسية وكأنها مجرد معادلات علمية لا تقبل الاختلاف. فتمتلئ الخطابات بكلمات مثل: المرونة، والابتكار، والتنمية المستدامة، ورفع الكفاءة، دون أن يُشرح للناس ماذا تعني هذه المفاهيم عمليًا، أو من المستفيد الحقيقي منها، أو من الذي سيدفع ثمنها. وهكذا لا يعود الاعتراض اختلافًا في الرأي، بل يُصوَّر على أنه جهل بالإجراءات أو عدم فهم للغة "الخبراء".
ومع مرور الوقت، تمتد آثار هذه اللغة إلى مفهوم المواطنة نفسه. فلم يعد الإنسان يُنظر إليه بوصفه مواطنًا يشارك في صناعة القرار، بل بوصفه "مستخدمًا" أو "عميلًا" داخل منظومة إدارية ضخمة. ولم يعد السؤال الكبير هو: لماذا نفعل هذا؟ أو هل هذا القرار عادل؟، وإنما انحصر النقاش في سؤال واحد: كيف ننفذه بأقل تكلفة وأعلى كفاءة؟ وبذلك تتحول القيم إلى إجراءات، والسياسة إلى إدارة، والإنسان إلى رقم داخل تقرير أداء.
إن أخطر ما تفعله اللغة الخشبية أنها لا تمنع الناس من الكلام، بل تغيّر الكلمات التي يتحدثون بها. فهي لا تكذب صراحة، لكنها تجعل الحقيقة أقل وضوحًا؛ فيصبح الاستغلال "إصلاحًا"، والفقر "تحديًا"، والهيمنة "حوكمة"، والقرارات السياسية "خيارات فنية".
ولهذا فإن مقاومة التفاهة لا تبدأ فقط بكشف الوقائع، بل تبدأ أيضًا باستعادة اللغة التي تسمي الأشياء بأسمائها. فاللغة ليست غلافًا للفكر، بل هي أداته الأولى. وإذا فقدنا شجاعة تسمية الاستغلال استغلالًا، والفساد فسادًا، والفقر فقرًا، فلن يكون من السهل أن نواجهها.
إن الدفاع عن اللغة الصادقة هو في جوهره دفاع عن القدرة على التفكير الحر. فحين تضيع الكلمات الواضحة، تضيع معها قدرتنا على رؤية الحقيقة، ويصبح الفراغ أكثر بلاغة من المعنى، وتتحول التفاهة إلى سلطة لا تحتاج إلى قوة ... لأنها تكتفي بأن تغيّر أسماء الأشياء.
